د. كاوە محمود

مقدمة

أرى من الضروري، في البداية، التوقف عند عنوان هذه الدراسة والمنهج الذي أعتمده في تناول موضوعها.

إن استخدام تعبير «عصر التطرف» في عنوان الدراسة يستحضر عنوان المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم في الجزء الرابع من رباعيته التاريخية الشهيرة، وهو كتاب «عصر التطرف: القرن العشرون القصير 1914–1991» (The Age of Extremes).

وقد سبقه بثلاثة مؤلفات تناول فيها المراحل التاريخية السابقة، وهي «عصر الثورة 1789–1848»، و«عصر رأس المال 1848–1875»، و«عصر الإمبراطورية 1875–1914».

وأرى أن إحدى القضايا المشتركة التي يمكن تتبعها عبر هذه العصور التاريخية الأربعة تتمثل في العنف والصراعات والتطرف، وإن اختلفت أشكالها ومضامينها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من مرحلة إلى أخرى.

فالانتقال من عصر إلى آخر لم يكن انتقالاً سلمياً مجرداً من التناقضات، بل ارتبط بتحولات عميقة في بنية المجتمعات والدول والعلاقات الدولية، كثيراً ما اتخذت طابعاً صراعياً وعنيفاً.

وينطلق الأساس الفكري لهذه الدراسة من فكرة جوهرية في المنهج الماركسي، مفادها أن التاريخ لا يمكن فهمه من خلال الوقائع المنفصلة، بل بوصفه عملية كلية مترابطة، تتفاعل داخلها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

وقد أصبحت هذه الرؤية أكثر أهمية في عصرنا الراهن، حيث يعيش العالم حالة من الترابط والتداخل تجعل من المستحيل تقريباً النظر إلى أي مجتمع بوصفه جزيرة معزولة عن التحولات العامة التي تشهدها الإنسانية.

وانطلاقاً من هذا التصور، يمكن تحديد مجموعة من المرتكزات المنهجية لقراءة المشهد المعاصر للعنف والتطرف.

أولاً: لا يمكن تفسير الحروب بمعزل عن هويات المجتمعات وتناقضاتها الداخلية وصراعاتها المحلية والعوامل التاريخية والاجتماعية التي أسهمت في إنتاجها.

ثانياً: لا يجوز النظر إلى الحروب والأحداث السياسية بصورة تجريدية، أو فصلها عن منظومة الصراعات الإقليمية والدولية، ولا سيما في الشرق الأوسط، حيث تتداخل التناقضات التاريخية مع التحولات التي أعقبت انهيار نظام القطبية الثنائية.

لقد أتاح انتهاء الحرب الباردة ظروفاً جديدة لظهور قوى إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها، وفي مقدمتها إيران وتركيا.

فإيران تمارس تأثيراً مباشراً أو غير مباشر في لبنان وسوريا والعراق واليمن، من خلال علاقاتها السياسية والعسكرية مع قوى محلية، كما تشكل مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل أحد المحاور الرئيسية للتوتر الإقليمي.

أما تركيا، فقد وسعت حضورها السياسي والعسكري في عدد من الملفات الإقليمية، ومنها سوريا وليبيا وجنوب القوقاز، ولا سيما في سياق الصراع بين أذربيجان وأرمينيا.

وتتزامن هذه التحولات مع مؤشرات على انتقال النظام الدولي نحو تعددية قطبية لم تتبلور بصورة نهائية، في ظل استمرار التفوق الأميركي في مجالات عديدة، وصعود الصين، ومحاولات روسيا وقوى أخرى إعادة تشكيل موازين النفوذ الدولي.

ثالثاً: لا يمكن تقييم هذه التحولات بمعزل عن الخلفية التاريخية للأوضاع العالمية، ولا عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي ورثها القرن الحادي والعشرون عن القرن العشرين.

ومن هنا يبرز سؤال مركزي:

هل يمتلك المجتمع الدولي القدرة على إدارة الأزمات ومنع الحروب وإيجاد حلول عادلة ومستدامة للصراعات؟

أولاً: القرن الحادي والعشرون واستمرار الحروب والأزمات

انتهى القرن العشرون، لكنه نقل إلى القرن الحادي والعشرين إرثاً ثقيلاً من المشكلات والتناقضات والأزمات، وكان من أخطرها استمرار الحروب والنزاعات المسلحة.

ومن منظور نقدي ماركسي، لا يمكن فصل جانب من هذه الصراعات عن التناقضات البنيوية للنظام الرأسمالي العالمي، ولا سيما التحولات النيوليبرالية، واتساع الفوارق الطبقية، وتزايد نفوذ الأوليغارشيات الاقتصادية والمالية في المراكز الرأسمالية والبلدان التابعة لها.

غير أن هذه العلاقة لا تعني اختزال جميع الحروب في العامل الاقتصادي وحده، إذ تتداخل معها عوامل قومية ودينية وسياسية وتاريخية وجيوستراتيجية، تختلف أوزانها باختلاف طبيعة كل نزاع.

لقد شهد العالم، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مئات النزاعات المسلحة، تنوعت بين الحروب الأهلية والحروب بين الدول والنزاعات الداخلية التي اتخذت أبعاداً دولية نتيجة التدخلات الخارجية.

وتكشف الدراسات الحديثة المتعلقة بالنزاعات المسلحة عن استمرار هذه الظاهرة واتساع نطاقها، رغم التطور الكبير الذي شهدته المؤسسات الدولية وآليات الدبلوماسية والتعاون متعدد الأطراف.

ماذا تقول الإحصاءات الدولية؟

وفقاً للبيانات الصادرة عن معهد أبحاث السلام في أوسلو (PRIO)، بالاستناد إلى برنامج بيانات النزاعات في جامعة أوبسالا (UCDP)، شهد عام 2024 تسجيل 61 نزاعاً مسلحاً تشارك فيها دولة واحدة على الأقل، موزعة على 36 بلداً، وهو أعلى عدد سُجّل منذ بدء هذه السلسلة الإحصائية عام 1946.

وارتفع العدد في عام 2025 إلى 65 نزاعاً مسلحاً في 35 بلداً، ما يشير إلى اتساع خريطة النزاعات وتعددها داخل بعض الدول.

كما ارتفع عدد النزاعات المسلحة المباشرة بين الدول من أربعة نزاعات عام 2024 إلى ثمانية نزاعات عام 2025، في مؤشر على عودة المواجهات العسكرية بين الدول إلى الواجهة.

وعلى الصعيد الإنساني، تشير تقديرات عام 2025 إلى نحو 245 ألف وفاة مرتبطة بالمعارك، فيما تجاوز مجموع الوفيات المرتبطة بأشكال العنف المنظم، وفق نطاق إحصائي أوسع، 255 ألف وفاة.

ومن الضروري التمييز بين قتلى المعارك والوفيات الناتجة عن أشكال أخرى من العنف المنظم، وكذلك بين الوفيات المباشرة والوفيات غير المباشرة الناجمة عن الجوع والأمراض وانهيار الخدمات الأساسية.

وتكشف هذه الأرقام أن العالم لا يواجه مجرد تصعيد في حرب واحدة، بل اتساعاً في منظومة النزاعات المسلحة، وتراجعاً في قدرة الآليات الدولية على احتواء العديد منها.

الخريطة الجغرافية للنزاعات

تتوزع أبرز الحروب والصراعات المعاصرة على مناطق مختلفة من العالم.

في أوروبا: تشكل الحرب الروسية الأوكرانية أحد أبرز النزاعات العسكرية، بما تحمله من تداعيات على الأمن الأوروبي والعلاقات بين روسيا والغرب، فضلاً عن امتداد بعض العمليات العسكرية إلى داخل الأراضي الروسية.

في الشرق الأوسط: تتداخل الحرب في غزة والصراع الفلسطيني الإسرائيلي مع الأزمات في سوريا والعراق ولبنان واليمن، ومع المواجهة بين إيران وإسرائيل، فضلاً عن تأثيرات التنافس الإقليمي والدولي في هذه الملفات.

في أفريقيا: تستمر النزاعات في السودان وإثيوبيا والصومال وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي وبوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا وموزمبيق، مع اختلاف طبيعتها بين الحروب الأهلية والتمردات المسلحة والعنف المرتبط بالجماعات المتطرفة.

في آسيا: تبرز الحرب الداخلية في ميانمار، والتوترات الأمنية في أفغانستان، والمواجهات بين الهند وباكستان، والتوترات التي شهدها جنوب القوقاز بين أذربيجان وأرمينيا.

في الأميركتين: تشهد هايتي مستويات مرتفعة من العنف المسلح، كما تستمر المواجهات بين السلطات والجماعات المسلحة والمنظمات الإجرامية في المكسيك وكولومبيا، مع ضرورة التمييز بين النزاعات السياسية المسلحة والعنف المرتبط بالجريمة المنظمة.

ولا يجوز تصنيف جميع هذه الحالات بوصفها حروباً دولية، إذ إن بعضها حروب داخلية، وبعضها نزاعات داخلية تتداخل معها تدخلات خارجية، وبعضها مواجهات بين دولتين، فيما يندرج بعضها الآخر ضمن العنف السياسي أو الإجرامي المسلح.

النتائج التاريخية والسياسية

1- اتساع نطاق النزاعات

إن ارتفاع عدد النزاعات المسلحة من 61 عام 2024 إلى 65 عام 2025 لا يشير فقط إلى زيادة كمية، بل يكشف عن اتساع جغرافي وسياسي في مشهد الصراعات الدولية.

ويعني ذلك أن المجتمع الدولي يواجه أزمات متعددة ومتزامنة، تختلف في طبيعتها وأسبابها، لكنها تتفاعل ضمن نظام دولي شديد الترابط.

2- تراجع وضوح الحدود بين الحروب الداخلية والدولية

ارتبطت نزاعات داخلية كثيرة بتدخلات عسكرية خارجية، أو بتقديم الأسلحة والتمويل والدعم الاستخباراتي واللوجستي لأطراف محلية.

وقد أدى ذلك إلى تعقيد التمييز السياسي بين الحرب الداخلية والحرب الدولية، وإن ظل التمييز القانوني قائماً وفق طبيعة الأطراف المشاركة ومعايير القانون الدولي الإنساني.

3- عودة المواجهات المباشرة بين الدول

تكشف الحرب الروسية الأوكرانية، والمواجهات بين الهند وباكستان، والتصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، عن تراجع فعالية بعض آليات الردع والدبلوماسية في منع المواجهات المسلحة.

كما تؤكد أن العلاقات الدولية لم تتجاوز منطق القوة العسكرية، رغم التطور الكبير في المؤسسات والاتفاقيات الدولية.

4- ارتفاع الكلفة الإنسانية

لم تعد الحروب تقتصر على ساحات القتال التقليدية، بل أصبحت المدن والبنى التحتية المدنية والخدمات الأساسية من أكثر المجالات تعرضاً للتدمير.

ويؤدي ذلك إلى خسائر بشرية مباشرة، فضلاً عن النزوح والتهجير والفقر وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتراجع فرص التنمية.

5- التحول التكنولوجي في طبيعة الحروب

أصبحت الطائرات المسيّرة والأسلحة الدقيقة والهجمات بعيدة المدى والحرب الإلكترونية وأنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي عناصر متزايدة الأهمية في النزاعات المعاصرة.

وقد أسهمت هذه التقنيات في تغيير طبيعة العمليات العسكرية، ورفعت في الوقت نفسه تحديات جديدة تتعلق بحماية المدنيين والمساءلة القانونية والرقابة البشرية على استخدام القوة.

ثانياً: التحولات السياسية والتكنولوجية في مفهوم الحرب

من أبرز سمات الحروب المعاصرة التحول العميق الذي طرأ على طبيعتها السياسية والتكنولوجية.

فقد أصبحت الأسلحة الدقيقة وأنظمة الاستطلاع المتطورة والطائرات المسيّرة أدوات رئيسية في العمليات العسكرية، بينما اتسعت آثار الحروب على المجتمعات المدنية.

ولم تعد الأضرار تقتصر على الخسائر العسكرية، بل امتدت إلى تدمير البنية التحتية والمرافق الاقتصادية والمستشفيات والمدارس والمساكن وشبكات الطاقة والمياه.

وتقدم الحرب الروسية الأوكرانية مثالاً على هذا التحول، كما تكشف الحرب في غزة عن الكلفة الإنسانية الهائلة للعمليات العسكرية في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

فقد شهد هجوم حماس والجماعات المسلحة المشاركة معها في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 قتل مدنيين واحتجاز رهائن، بينهم نساء وأطفال، فيما أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية اللاحقة في قطاع غزة إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين ودمار واسع في المباني والبنية التحتية.

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا ننسى الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، ولا سيما بحق الإيزيديين، وما تعرضت له النساء والفتيات الإيزيديات من اختطاف واستعباد جنسي واضطهاد ممنهج.

وتكشف هذه الأمثلة، رغم اختلاف السياقات والمسؤوليات القانونية، عن ضرورة إخضاع جميع أطراف النزاعات لقواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها مبادئ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب، والاحتياطات الواجبة أثناء الهجمات، وحظر استهداف المدنيين وأخذ الرهائن.

ثالثاً: تراجع احتكار الدولة للقوة المسلحة

تتمثل إحدى السمات المهمة للنزاعات المعاصرة في تنامي أدوار الجماعات المسلحة غير الحكومية والميليشيات والشركات العسكرية والأمنية الخاصة.

فلم تعد الدولة، في كثير من مناطق النزاع، الطرف الوحيد الذي يمتلك القدرة على استخدام القوة المنظمة.

وقد برزت هذه الظاهرة في أدوار مجموعة فاغنر الروسية، والتشكيلات المسلحة في العراق وسوريا وليبيا والسودان، فضلاً عن التنظيمات المتطرفة مثل داعش.

ويعكس هذا التحول تراجع قدرة بعض الدول على احتكار استخدام القوة، وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية بين السلطات الرسمية والقوى المسلحة غير النظامية.

غير أن هذا الواقع لا يعني اختفاء الدولة أو انتهاء دورها، بل يشير إلى تحول في أشكال ممارسة القوة والسيطرة، وإلى نشوء علاقات معقدة بين المؤسسات الرسمية والفاعلين المسلحين.

رابعاً: قدرة التنظيمات المسلحة الصغيرة على السيطرة الجغرافية

أظهرت تجربة تنظيم داعش أن جماعة مسلحة لا تخضع مباشرة لسيطرة دولة معينة تستطيع، في ظروف انهيار المؤسسات وضعف السلطة المركزية والانقسامات المجتمعية، السيطرة على مساحات جغرافية واسعة.

وقد تمكن التنظيم من فرض سيطرته على مناطق كبيرة من العراق وسوريا خلال عام 2014، مستفيداً من الفراغات الأمنية والتناقضات السياسية والاجتماعية.

وتؤكد هذه التجربة أن القوة العسكرية وحدها لا تفسر نجاح التنظيمات المتطرفة، بل ينبغي دراسة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تسمح لها بالنشوء والتمدد.

خامساً: التكنولوجيا العسكرية وانتشار الأسلحة

أدى التطور التكنولوجي واتساع الأسواق القانونية وغير القانونية للأسلحة إلى زيادة قدرة بعض الجماعات المسلحة على الحصول على وسائل قتالية متطورة.

وتشمل هذه الوسائل الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والعبوات الناسفة والتقنيات المستخدمة في الاستطلاع والاتصالات.

وتبرز خطورة هذه الظاهرة عندما تقع هذه التقنيات في أيدي تنظيمات متطرفة تستخدم العنف ضد المدنيين أو تسعى إلى زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ومن الأمثلة التاريخية على الإرهاب العابر للحدود هجمات تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر/أيلول 2001، بما فيها الهجوم على مركز التجارة العالمي.

وتؤكد هذه التحولات أن الأمن لم يعد قضية عسكرية تقليدية فحسب، بل أصبح مرتبطاً بالتكنولوجيا والاقتصاد والمعلومات والبنى التحتية والمجتمعات المدنية.

سادساً: إرهاب التنظيمات والعنف الذي تمارسه الدول

من مجموع هذه التحولات تبرز إشكالية أساسية تتعلق بالعنف الذي تمارسه الدول والجماعات والتنظيمات السياسية المسلحة.

فكيف يمكن تصنيف الأفعال التي تستهدف المدنيين، سواء ارتكبتها جماعات مسلحة غير حكومية أم قوات عسكرية تابعة للدول؟

إن هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، والعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، والانتهاكات المنسوبة إلى تشكيلات مسلحة في الحرب الأوكرانية، وأعمال مجموعة فاغنر، والممارسات التي ترتكبها قوات حكومية أو جماعات مسلحة ضد المدنيين والخصوم السياسيين، تطرح جميعها ضرورة اعتماد معايير قانونية موحدة لتقييم الأفعال وتحديد المسؤوليات.

ولا يكفي التوصيف السياسي وحده للحكم على هذه الممارسات.

فمن الضروري التمييز بين الإرهاب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الانتهاكات، استناداً إلى طبيعة الأفعال والأدلة المتاحة والقواعد القانونية المنطبقة.

كما ينبغي التمييز بين المسؤولية السياسية للدول والحكومات والمسؤولية الجنائية الفردية للأشخاص الذين يأمرون بارتكاب الجرائم أو يشاركون فيها أو يتحملون مسؤولية قانونية عنها.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالقتل الجماعي والاستهداف المتعمد للمدنيين، حيث ينبغي أن تستند المساءلة إلى القانون والأدلة، لا إلى الهوية القومية أو الدينية أو السياسية للأطراف المعنية.

سابعاً: لماذا تستمر الحروب والتوترات؟

إن استمرار الحروب خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين يطرح تساؤلات عميقة بشأن قدرة النظام الدولي على إدارة التناقضات ومنع تحولها إلى مواجهات مسلحة.

وأرى أن من أبرز أسباب استمرار هذه الظاهرة ما يأتي:

1- إخفاق المجتمع الدولي في تسوية النزاعات

أظهر النظام الدولي محدودية واضحة في قدرته على فرض الحلول السياسية العادلة والمستدامة.

فالقضية الفلسطينية، على سبيل المثال، ظلت لعقود طويلة موضوعاً لقرارات ومبادرات دولية متعددة، من بينها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 بشأن تقسيم فلسطين، والقرارات اللاحقة المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني، فضلاً عن اتفاقيات أوسلو الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ابتداءً من عام 1993.

ومع ذلك، لم تؤدِ هذه المسارات إلى تسوية نهائية تضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية وتحقق الأمن والسلام لجميع الأطراف.

ويكشف هذا المثال عن الفجوة بين القرارات الدولية والقدرة السياسية والمؤسسية على تنفيذها.

2- تراجع التنوير وأزمات الحداثة

شهدت مجتمعات عديدة تراجعاً في تأثير التيارات التنويرية والعقلانية، بالتزامن مع صعود الحركات الدينية السياسية والقوى المحافظة والمتطرفة.

وفي الشرق الأوسط، تجلت هذه الظاهرة في تنامي نفوذ الإسلام السياسي، ومن ذلك سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007 بعد الصراع الداخلي الفلسطيني.

وفي المقابل، شهدت إسرائيل تصاعد نفوذ التيارات الدينية القومية واليمين المتطرف في الحياة السياسية.

ولا يمكن فهم هذه الظواهر باعتبارها مجرد عودة للدين إلى السياسة، بل ينبغي تحليلها في سياق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والهوية الوطنية وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية التقليدية.

3- ضعف اليسار العالمي

يعاني اليسار العالمي من تراجع نفوذه السياسي والتنظيمي، ومن غياب رؤية مشتركة تجاه عدد من القضايا الدولية الكبرى.

وتكشف الحرب الروسية الأوكرانية عن تباينات واضحة بين الأحزاب الشيوعية واليسارية، إذ تتوزع مواقفها بين إدانة الغزو الروسي، والتركيز على مسؤولية التوسع الأطلسي في تصاعد التوترات، ورفض الحرب من منظور مناهض للإمبريالية والتنافس بين القوى الكبرى.

كما تختلف الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية في رؤيتها لحل القضية الفلسطينية، بين من يؤيد حل الدولتين ومن يدعو إلى دولة ديمقراطية واحدة.

وقد انعكس هذا التباين على قدرة اليسار على بناء حركة عالمية موحدة وفاعلة مناهضة للحروب.

ورغم وجود احتجاجات وحركات سلام في أوروبا ومناطق أخرى، فإنها لم تتحول إلى قوة سياسية دولية موحدة قادرة على تغيير مسارات الحروب بصورة حاسمة.

4- دور الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي

أسهمت وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في توسيع انتشار الخطابات الشعبوية والاستقطابية، وفي تحويل الاختلاف السياسي والفكري إلى مواجهات تقوم أحياناً على التخوين والإقصاء.

وقد ظهرت هذه الظاهرة في النقاشات المتعلقة بالحرب في غزة، ومنها الجدل الذي أثارته مواقف الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس بشأن الحرب ومسؤوليات الأطراف المختلفة.

إن النقد الفكري والسياسي مشروع وضروري، لكن تحويل الخلاف إلى رفض مطلق للآخر يضعف إمكان الحوار العقلاني ويعزز الاستقطاب.

5- صعود اليمين القومي والشعبوي في أوروبا

شهدت دول أوروبية عديدة صعوداً متفاوتاً للقوى اليمينية القومية والشعبوية، ومنها إيطاليا وهولندا والسويد والمجر ودول أخرى.

وترافق ذلك مع تصاعد الجدل حول الهجرة واللجوء والهوية الوطنية والسيادة والعلاقة بين الدولة والمؤسسات الأوروبية.

ولا تتبنى هذه القوى مواقف متطابقة، كما لا يجوز تصنيفها جميعاً ضمن تيار فاشي واحد، غير أن صعود بعض الخطابات المعادية للمهاجرين والتعددية الثقافية يمثل تحدياً مهماً للقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ومن منظور نقدي، يرتبط جزء من هذا التحول بأزمات التمثيل السياسي وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية وتزايد القلق الاقتصادي والاجتماعي لدى قطاعات من الطبقات الوسطى والعاملة.

وهكذا، فإن تراجع التيارات التنويرية واليسارية، وصعود الشعبوية والتطرف، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، كلها عوامل تسهم في خلق بيئة دولية أكثر عرضة للاستقطاب والصراع.

ثامناً: الجذور الاقتصادية للأزمات العالمية

لا يمكن فصل الأزمات السياسية والعسكرية عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها النظام الرأسمالي العالمي.

وتبرز في هذا السياق ثلاث قضايا أساسية.

1- اتساع الفجوة بين الشمال والجنوب

رغم التطور الاقتصادي الذي شهدته دول عديدة، ما زالت الفوارق في الدخل والثروة والتكنولوجيا والقدرة الإنتاجية قائمة بين البلدان المتقدمة وقطاعات واسعة من بلدان الجنوب العالمي.

وتؤدي هذه الفوارق إلى تعميق التبعية الاقتصادية وإضعاف قدرة الدول الأقل نمواً على تحقيق التنمية المستقلة.

2- أزمة الطبقة الوسطى ودولة الرفاه

أثرت التحولات النيوليبرالية في عدد من المجتمعات الرأسمالية، ولا سيما من خلال الخصخصة وتراجع بعض أشكال الحماية الاجتماعية واتساع عدم المساواة.

وقد انعكست هذه التحولات على الطبقات الوسطى والعاملة، وأسهمت في تصاعد الشعور بعدم الأمان الاقتصادي والاجتماعي.

وفي الشرق الأوسط، تتفاقم هذه المشكلات بفعل ضعف التنويع الاقتصادي والاعتماد على الريع في عدد من الدول، إلى جانب الفساد والبطالة وضعف المؤسسات.

3- الاحتجاج الاجتماعي وغياب البدائل

أنتجت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية موجات متكررة من الاحتجاج والسخط الشعبي.

غير أن غياب البدائل السياسية والتنظيمية القادرة على تحويل الاحتجاج إلى مشاريع إصلاحية أو تغييرية متماسكة أتاح المجال أمام قوى شعبوية وقومية متطرفة ودينية سياسية لاستثمار مشاعر الغضب والإحباط.

ولا يعني ذلك أن جميع الحركات الاحتجاجية تقود إلى التطرف، بل إن طبيعة النتائج ترتبط بالقوى السياسية والاجتماعية القادرة على تنظيم المطالب وصياغة البدائل.

ومن هنا، فإن فهم طبيعة الأزمات وتناقضاتها يمثل شرطاً أساسياً للبحث عن حلول واقعية ومستدامة.

تاسعاً: هل يحمل العالم فرصاً للخروج من الأزمات؟

إن قراءة الأوضاع الدولية لا ينبغي أن تنطلق من التشاؤم المطلق أو افتراض استحالة التغيير.

فالمجتمعات ليست كيانات جامدة، والتاريخ لا يتحرك في اتجاه واحد.

وعلى الرغم من استمرار الحروب والتناقضات، فإن العالم يشهد تحولات اقتصادية وتكنولوجية واجتماعية تفتح إمكانات جديدة للتعاون وإعادة بناء العلاقات الدولية.

1- العولمة وتشابك المصالح الاقتصادية

شهد الاقتصاد العالمي خلال العقود الماضية توسعاً كبيراً في العلاقات التجارية والاستثمارية والمالية والتكنولوجية.

ويكشف مؤشر العولمة الصادر عن المعهد الاقتصادي السويسري (KOF) عن التطور التاريخي للترابط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بين الدول منذ عام 1970.

وتشكل العلاقات الاقتصادية الأميركية الصينية نموذجاً بارزاً لهذا التشابك.

فعلى الرغم من المنافسة الاستراتيجية بين البلدين، تستمر بينهما علاقات تجارية واستثمارية ومالية واسعة، وإن كانت تتعرض لضغوط متزايدة نتيجة السياسات التجارية والتكنولوجية والأمنية.

وتشير بيانات وزارة الخزانة الأميركية إلى أن حيازات الصين من سندات الخزانة الأميركية بلغت نحو 618 مليار دولار بنهاية يوليو 2026، وهو ما يعكس استمرار أحد أوجه الترابط المالي بين الاقتصادين، رغم تراجع حجم هذه الحيازات مقارنة بمستوياتها السابقة.

كما تؤدي الشركات متعددة الجنسيات وسلاسل التوريد العالمية دوراً مهماً في ربط الاقتصادات والمجتمعات.

ولا يعني هذا التشابك الاقتصادي استحالة الحرب أو انتهاء المنافسة، لكنه يرفع كلفة المواجهات الشاملة ويجعل القرارات الاستراتيجية أكثر تعقيداً.

2- التحولات الاقتصادية والديموغرافية والتكنولوجية

تتزامن العولمة مع تغيرات عميقة في موازين القوى الاقتصادية العالمية، والتحولات الديموغرافية، واتساع المدن، والتطور التكنولوجي السريع، والتغير المناخي، وتحديات الطاقة والموارد الطبيعية.

وتفرض هذه التحولات على الدول والمجتمعات إعادة النظر في مفاهيم الأمن والتنمية والسيادة والتعاون الدولي.

فالأمن لم يعد يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل الأمن الغذائي والصحي والبيئي والاقتصادي والتكنولوجي.

3- من اللعبة الصفرية إلى اللعبة غير الصفرية

أنتجت العلاقات الدولية شبكة معقدة من المصالح والارتباطات المتبادلة، الأمر الذي يستدعي التفكير في مفهوم «اللعبة غير الصفرية» (Non-Zero-Sum Game).

ففي اللعبة الصفرية (Zero-Sum Game)، يساوي ما يربحه أحد الأطراف ما يخسره الطرف الآخر، بحيث يكون مجموع المكاسب والخسائر صفراً.

أما في اللعبة غير الصفرية، فيمكن أن يحقق أكثر من طرف مكاسب مشتركة من خلال التعاون والتفاوض وتنظيم المصالح المتبادلة.

إن الانتقال نحو تعددية قطبية أكثر وضوحاً، إلى جانب الأزمات التي تواجه النموذج النيوليبرالي، يضع العالم أمام خيارات استراتيجية متناقضة:

إما توسيع التعاون والتكامل، وإما تعميق الانقسام والمواجهة.

ومن هنا تبرز أهمية الحوكمة الرشيدة على المستوى الدولي، بوصفها إطاراً لإدارة التناقضات وتحقيق قدر أكبر من العدالة والتوازن في العلاقات بين الدول.

4- الحاجة إلى استراتيجية عالمية جديدة

تتطلب التحديات المعاصرة استراتيجية دولية جديدة، لأن التحولات التاريخية لا يمكن التعامل معها دائماً بالأدوات والمفاهيم القديمة.

وقد طرحت الصين، ضمن توجهاتها المعلنة في السياسة الخارجية، مبادرات تتعلق بالأمن العالمي والتنمية العالمية والحضارة العالمية والحوكمة العالمية.

وتؤكد هذه المبادرات، في خطابها الرسمي، مبادئ الأمن المشترك والتنمية المشتركة والحوار بين الحضارات والمنفعة المتبادلة.

ويمكن دراسة هذه الطروحات بوصفها أحد التصورات المطروحة لإعادة تنظيم العلاقات الدولية، مع ضرورة تقييمها في ضوء الممارسات الفعلية للدول ومصالحها وتناقضاتها.

ويختلف هذا المنظور عن الأطروحات التي تفسر العلاقات الدولية أساساً من خلال صدام الحضارات، كما في التصور الذي اشتهر به صموئيل هنتنغتون.

5- نحو حوكمة دولية أكثر عدالة

إن التحولات العالمية تستدعي تطوير آليات جديدة للعلاقات الدولية، وإصلاح المؤسسات القائمة، وتوسيع المشاركة في صنع القرارات الدولية.

كما تتطلب تعزيز العدالة والتضامن والتعايش واحترام التعددية الثقافية والحضارية والتعلم المتبادل والتعاون بين الشعوب.

وفي مقدمة هذه المبادئ احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحماية حقوق الإنسان، ورفض الهيمنة والتمييز، والبحث عن حلول سلمية عادلة للنزاعات.

وتفتح هذه التحولات أسئلة جديدة تتعلق بمستقبل حركات التحرر الوطني، والتعايش بين المجتمعات، والتنمية، ومواجهة العنف والتطرف، ومستقبل التنوير والحداثة.

عاشراً: بعض القضايا المنهجية المتعلقة بدراسات مستقبل الشرق الأوسط

تكتسب الدراسات المستقبلية أهمية خاصة في رسم السياسات ووضع البرامج والاستراتيجيات المتعلقة بمستقبل المجتمعات والدول.

ولا تقتصر هذه الدراسات على وصف المشكلات والأزمات القائمة، بل تتجاوز ذلك إلى تحليل الاتجاهات التاريخية وتحديد القوى المؤثرة في التغيير واستشراف السيناريوهات المحتملة.

وفي الشرق الأوسط، ترتبط هذه المهمة بتعقيدات سياسية واجتماعية وقومية ودينية واقتصادية متداخلة.

كما ترتبط ارتباطاً مباشراً بمستقبل كردستان، بوصفها جزءاً حياً من الجغرافيا السياسية والاجتماعية للمنطقة.

القضية الكردستانية ومستقبل السلام في الشرق الأوسط

غالباً ما تتجه الأنظار، عند الحديث عن مستقبل الشرق الأوسط، إلى القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.

وعندما نتناول نحن، بوصفنا طرفاً كردستانياً، مستقبل المنطقة، فإننا نؤكد أن السلام لا يمكن اختزاله في تسوية هذا الصراع وحده.

فهناك أيضاً القضية العادلة لشعب كردستان، الذي يعيش في الأجزاء الأربعة من وطنه التاريخي، ويواجه تحديات سياسية وقومية وحقوقية تختلف من دولة إلى أخرى.

ومن منظورنا، فإن تحقيق سلام عادل ومستدام في الشرق الأوسط يقتضي معالجة القضية الكردستانية من خلال حلول ديمقراطية عادلة تحترم حقوق الشعب الكردي وإرادته، وتراعي خصوصيات الأوضاع السياسية والقانونية في كل جزء من كردستان.

غير أن مستقبل الشرق الأوسط لا يتوقف على القضيتين الفلسطينية والكردستانية وحدهما.

فهناك قضايا السلام الاجتماعي الداخلي، والتعايش بين المكونات، والتعددية القومية والدينية، وغياب الحريات، والاستبداد السياسي، وانتهاكات حقوق الإنسان، وضعف الحوكمة الرشيدة، والتخلف الاقتصادي، والفقر والبطالة، وتراجع العقلانية والتنوير، وتصاعد التطرف والعنف.

وتشكل هذه القضايا مجتمعة محاور أساسية للدراسات المستقبلية في المنطقة.

ولا شك في أن لكل مجال بحثي خصوصيته ومنهجه، لكن يمكن تحديد مجموعة من المرتكزات المنهجية العامة التي تساعد على بناء رؤية علمية شاملة لمستقبل الشرق الأوسط.

حادي عشر: المرتكزات المنهجية لدراسة المستقبل

1- رفض النظرة الجامدة إلى التاريخ والمجتمع

إن النظر إلى مجتمعات الشرق الأوسط ودوله بوصفها كيانات ثابتة لا تقبل التغيير يتناقض مع فلسفة التاريخ ومع المنهج الجدلي.

ويمثل هذا النوع من التفكير خطأً منهجياً كبيراً، لأنه يقود إلى قراءات تشاؤمية تفترض استمرار الأوضاع القائمة إلى ما لا نهاية.

فالتاريخ عملية متحركة، والمجتمعات تتغير بفعل التناقضات الداخلية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

وقد عبّر ماركس وإنجلز عن هذا المعنى في «البيان الشيوعي» من خلال العبارة الشهيرة:

«كل ما هو صلب يتبخر في الهواء».

واستعاد المفكر الماركسي الأميركي مارشال بيرمان (Marshall Berman) هذه العبارة عنواناً لكتابه «كل ما هو صلب يتبخر في الهواء: تجربة الحداثة»، الصادر عام 1982.

وقد تناول بيرمان من خلالها التحولات والتناقضات التي تنتجها الحداثة، وما تفرضه من تغير مستمر في الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

ومن هنا، فإن دراسة المستقبل ينبغي أن تنطلق من إدراك قابلية الواقع للتغيير، والبحث في القوى والشروط التي تجعل هذا التغيير ممكناً، بدلاً من افتراض بقاء الأوضاع على حالها.

2- اعتماد القراءة الواقعية الشاملة

ينبغي أن تنطلق الدراسات المستقبلية من الواقع الملموس كما هو، وأن تعمل على تحديد أسباب التغيير والقوى الاجتماعية والسياسية المحركة له، وكذلك القوى التي تعارض التقدم والتنمية والتحول.

ويقتضي ذلك الابتعاد عن القراءات المجزأة التي تتجاهل العلاقات المتبادلة بين مجتمعات الشرق الأوسط ودوله.

فلا توجد منطقة في الشرق الأوسط تعيش بمعزل عن بقية المناطق، كما لا يمكن فصل التحولات الداخلية عن تأثيرات البيئة الإقليمية والدولية.

ولهذا تبرز الحاجة إلى رؤية شاملة تأخذ في الحسبان تشابك المصالح والتناقضات والصراعات، وتدرس تأثير كل منها في الاحتمالات المستقبلية.

3- مراعاة التحولات في النظام الدولي

لا يمكن دراسة مستقبل الشرق الأوسط من دون فهم التحولات التي شهدها النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

فقد أدى انتهاء الحرب الباردة إلى صعود الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة في النظام الدولي، قبل أن تبدأ موازين القوى بالتغير تدريجياً مع صعود الصين، واستعادة روسيا جانباً من حضورها الدولي، وتنامي أدوار قوى إقليمية متعددة.

غير أن هذه التحولات لم تنتج حتى الآن نظاماً متعدد الأقطاب مستقراً ومتكامل البنية.

كما ينبغي مراعاة التراجع الذي شهدته التيارات اليسارية والمشاريع السياسية القائمة على العدالة الاجتماعية والمساواة، في سياق أزمة السرديات الكبرى والتحولات الفكرية والسياسية التي رافقت نهاية القرن العشرين.

4- دراسة التناقضات الداخلية والمحلية

ينبغي إعطاء أهمية خاصة للتناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل كل مجتمع.

فالصراعات المحلية لا تنشأ في فراغ، بل ترتبط ببنية السلطة وتوزيع الثروة والهوية القومية والدينية والمصالح المتعارضة.

كما تؤثر هذه التناقضات في علاقات المجتمعات والدول بعضها ببعض.

ومن هنا، فإن فهم المستقبل يتطلب دراسة التفاعل بين العوامل الداخلية والخارجية، لا تغليب أحدهما بصورة مطلقة.

5- دراسة الانقسام والاستقطاب المجتمعي

تمثل ظواهر الانقسام والاستقطاب داخل المجتمعات تحدياً أساسياً أمام بناء الدولة الحديثة.

وتزداد خطورة هذه الظواهر عندما تظهر داخل مجتمعات تمتلك مقومات الوحدة والعمل المشترك، لكنها تعجز عن تحويل هذه المقومات إلى مشروع سياسي ومؤسسي جامع.

ويؤدي استمرار الانقسام إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإعاقة بناء دولة القانون والمواطنة.

6- تحليل الظواهر السياسية الجديدة

من الضروري دراسة الظواهر السياسية التي تؤثر في طبيعة السلطة والحياة الحزبية في الشرق الأوسط.

ومن أبرزها الدولة العميقة، والنزعات العائلية والعشائرية والمناطقية والطائفية، وتأثير العلاقات التقليدية في تنظيم الأحزاب والمؤسسات السياسية.

ففي مجتمعات عديدة، ما زالت هذه البنى التقليدية تتداخل مع المؤسسات الحديثة، وتؤثر في توزيع السلطة وصنع القرار السياسي.

7- تراكم الأزمات السياسية وغياب الحلول

أدى تراكم الأزمات السياسية إلى إضعاف الأمن والسلام الاجتماعي في عدد من دول المنطقة.

وتفاقمت هذه الأزمات بفعل التدخلات الخارجية وغياب المؤسسات الفاعلة وعدم توافر برامج سياسية قادرة على تحقيق تسويات مستدامة.

ويرتبط ذلك، من جهة، بمحدودية فعالية النظام الدولي في معالجة النزاعات المعقدة، ومن جهة أخرى، بضعف القوى الاجتماعية والسياسية المحلية القادرة على طرح مشاريع إصلاحية وتغييرية واقعية.

ولهذا لا يمكن التعويل على الحلول الخارجية وحدها، بل ينبغي إعطاء دور أساسي للقوى الاجتماعية والسياسية الداخلية في بناء السلام.

8- تأثير أزمات الرأسمالية والأوليغارشيات الحاكمة

لا يمكن تجاهل تأثير أزمات النظام الرأسمالي العالمي في الشرق الأوسط.

فالتنافس على الأسواق والطاقة والممرات التجارية والنفوذ الاستراتيجي، إلى جانب المصالح المرتبطة بالنخب الاقتصادية والسياسية الحاكمة، يمثل جزءاً من البيئة التي تتشكل فيها الصراعات الإقليمية.

ومن منظور ماركسي، ينبغي دراسة العلاقة بين هذه المصالح والبنية الطبقية للسلطة، وتأثيرها في استمرار الأزمات أو تعقيد فرص تسويتها.

وقد أدى تداخل المصالح المحلية والإقليمية والدولية إلى تحويل أجزاء واسعة من الشرق الأوسط إلى ساحات للتنافس والصراع، مع استخدام أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية وتكنولوجية متغيرة.

ثاني عشر: نحو علاقة جديدة بين السياسة والعلم

إن اعتماد هذه المرتكزات المنهجية يمثل خطوة أولى نحو بناء علاقة عضوية بين السياسة والعلم.

فالدراسات المستقبلية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتبرير رغبات السلطات أو إعادة إنتاج الخطابات الأيديولوجية الجاهزة.

كما لا يجوز أن تصبح امتداداً للشعارات الشعبوية التي تتستر باسم المعارضة أو التغيير.

إن المهمة الأساسية للبحث العلمي تتمثل في فهم الواقع وتناقضاته، وتحديد اتجاهات التحول والقوى المؤثرة فيه، وتقديم تصورات واقعية للمستقبل.

ولا يعني ذلك إلغاء الموقف السياسي أو القيمي للباحث، بل إخضاع التحليل لمعايير المعرفة العلمية، والتمييز بين الوقائع المثبتة والتفسيرات النظرية والاختيارات السياسية.

فالعلاقة بين السياسة والعلم لا ينبغي أن تقوم على إخضاع أحدهما للآخر، بل على التفاعل النقدي الذي يساعد على تطوير الفكر السياسي وتحريره من الجمود والشعارات.

خاتمة: هذا العالم ليس جيداً… فلنغيّره

إن العالم الذي نعيش فيه ليس عالماً عادلاً أو خالياً من التناقضات.

فالحروب والفقر والاستغلال والتمييز والاستبداد والتطرف ما زالت تشكل جزءاً من الواقع الإنساني، رغم التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي الذي تحقق خلال العقود الماضية.

غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينبغي أن يقود إلى اليأس أو التسليم باستحالة التغيير.

فالتاريخ لم يكن يوماً عملية جامدة، بل كان دائماً مجالاً للصراع بين القوى التي تسعى إلى المحافظة على الأوضاع القائمة والقوى التي تعمل على تجاوزها.

وفي هذا السياق، تستحضرني العبارة التي ارتبطت بقراءة قائد الأوركسترا النمساوي نيكولاوس هارنونكورت (Nikolaus Harnoncourt) للطابع الثوري في موسيقى بيتهوفن:

«هذا العالم ليس جيداً… فلنغيّره».

لقد رأى هارنونكورت في موسيقى بيتهوفن، ولا سيما سيمفونيته الخامسة، تعبيراً عن طاقة درامية تتجاوز حدود الشكل الموسيقي إلى آفاق أوسع من الصراع والتحول والانتصار.

ويمكن استلهام هذا المعنى في قراءة التاريخ والمجتمع.

فكما تبدأ السيمفونية الخامسة بإيقاع قوي ومكثف، ثم تمر بتحولات موسيقية تتداخل فيها لحظات التوتر والتأمل والصراع، قبل أن تبلغ خاتمتها المفعمة بالقوة والانتصار، فإن مسارات التغيير الاجتماعي والسياسي لا تسير في خط مستقيم.

إنها تمر بمراحل من التقدم والتراجع، والأمل والإحباط، والانتصار والهزيمة.

لكنها تظل مفتوحة على إمكانات جديدة.

واليوم، تؤكد الأحداث على المستويين الوطني والعالمي أن العالم يحتاج إلى تغيير عميق في علاقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

كما تؤكد أن الشعوب المضطهدة والطبقات المستغَلة والقوى الساعية إلى الحرية والعدالة لا تفتقر إلى أسباب النضال، بل تحتاج إلى رؤية فكرية ومنهجية قادرة على تحويل الاحتجاج إلى مشروع تاريخي للتغيير.

إن مستقبل الشرق الأوسط، بما يحمله من صراعات قومية ودينية وسياسية واجتماعية، لا يمكن أن يُبنى على استمرار العنف والاستبداد والهيمنة.

ولا يمكن أن يتحقق السلام الحقيقي من دون العدالة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

كما لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة من دون معالجة التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، وإرساء دولة القانون والمؤسسات، وإطلاق طاقات العقلانية والتنوير والحداثة.

إن التغيير ليس مجرد رغبة أخلاقية، بل عملية تاريخية تتطلب فهماً علمياً للواقع، وتنظيماً للقوى الاجتماعية، وبرامج سياسية قابلة للتحقيق.

ومن هنا، فإن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يكون ما إذا كان العالم سيتغير أم لا، لأن التغيير سمة ملازمة للتاريخ، بل أي تغيير نريد، ولصالح من، وبأي قوى وأدوات ومناهج يمكن تحقيقه.

هذا العالم ليس جيداً… فلنغيّره.

مقالات

پەیوەندیکردن

   تەلەفۆن:  ٠٠٩٦٤٧٥٠٤٤٩٢٢٨٢

   ئەدرێس:  كوردستان - هەولێر - گەرەکی ئازادی

   ئیمێل  info@global-civilization.org