د. كاوه محمود
تأسس الحزب الشيوعي الصيني في الأول من تموز عام 1921، وقد نما من حزب يضم بضع عشرات من الأعضاء إلى أكبر حزب حاكم في العالم بأكثر من 100 مليون عضو، وبجهود الحزب تحوّلت الصين من دولة فقيرة إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لأنه جعل الشعب في أولوية التزامه عبر التمسك بمبدأ " الشعب أولاً" منذ بداية تأسيسه. لقد حمل الحزب منذ بداية تاسيسه حلم الشعب، لتجاوز عصر الانحطاط والتوجه نحو عصر اليقظة. عندما ترى صور الرواد الأوائل للحزب الذين حضروا المؤتمر الأول للحزب في متحف الحزب، لا يختلج في قلبك مشاعر بأن هذا الحزب كان صغيراً. قد يكون الحزب صغيراً من حيث عدد العضوية في بداية تأسيسه ، لكن الحزب كان منذ بداية تأسيسه كبيرا بكبر المهام الملقاة على عاتقه من أجل مواجهة الاحتلال والتنمر الأجنبي والحروب التي شنت ضده للحط من حضارته العريقة. لقد كان الحزب ولا يزال كبيراً بقامات قادته ومناضليه.
ان سر الانتصار والتفوق في المعارك المختلفة ومنها التحول من دولة فقيرة الى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، يكمن في الابداع والابتكار العملي والنظري للحزب من خلال تطوير النظرية بالممارسة العملية والاحتكام للواقع ومعرفة مديات تطوره ومعرفة نبض الشعب وحاجاته الاساسية.
لقد نجح الحزب الشيوعي من خلال الممارسة في بلورة نظرية الاتصال ذات النمط الصيني. اتصال الحزب بالشعب وديموته. اتصال قيادة الحزب بالكوادر والقاعدة الحزبية. التفاف اعضاء الحزب حول النواة القيادية. ايجاد الآليات الكفيلة بتوسيع الفضاء العام وتفعيل المشاركة الشعبية ولم تكن هناك امكانية حقيقية لانجاز التحولات العميقة مالم يكن الحزب الشيوعي الصيني وقادته قادرين على استلهام القيم والحكمة من الحضارة الصينية التي رسخت منذ بدايات تطوره أهمية تحقيق الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي للشعب. وقد نجح الحزب في ذلك وبالامكان ان يقدم تجربته، ومنها ان الصين واعتماداً على صيننة الواقع، ومعرفة واقعها الوطني والظروف التاريخية والثقافية والحضارية رسمت نموذجها التنموي، وبارادتها المستقلة دون استنساخ تجارب الآخرين. الصين انتجت نموذجها وهو ملك للصين من جهة، ويقدم منهجية هذه التنمية للعالم لكي تستوعب الدول الأخرى خصائصها الوطنية وترسم مهامها من خلال وضع خدمة شعوبها في أولوية سياساتها وفق واقعها وبارادتها المستقلة. هذا هو
الدرس الذي يقدمه الصين للعالم.
الدرس الذي يقدمه الصين للعالم. تجري الصين عملية التحديث تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني بصورة ممنهجة، بعيداً عن العفوية والتخبط. فعملية التحديث بدأت منذ عام 2020 وتستمر الى 2035 ، وفق خطط التنمية في مرحلة بدأت بالخطة الرابعة عشرة، وتطبق الآن الخطة الخامسة عشرة كمرحلة انتقالية لكي تستكمل بالخطة السادسة عشر.
في مشاهداتي في بيجين وشنغهاي نجد التنمية عالية الجودة. نجد الذكاء الاصطناعي في مرافق كثيرة. ان التنمية في الصين لا تقتصر في الجسور الرائعة والمواصلات المتطورة والبنايات التي تنطح بالسحاب فقط، التنمية في الصين تتعلق بالانسان بحاجته المادية والروحية والثقافية. التنمية في الصين هي القضاء على الفقر ومكافحة التصحر والسماء الزرقاء والمياه العذبة. في المدن التي زرتها وجدت الناس يعملون يبنون الاشتراكية.. يغنون.. يرقصون.. انهم سعداء لا يخافون من عدم توفر لقمة العيش أو الخدمات الصحية.. لا يخافون من البطالة والفقر.. لا يعانون من الاغتراب. ستة وخمسين قومية متنوعة يجمعهم وطن وحزب، كانوا ولا يزالون ويبقون شعباً واحداً.
تستند نظرية الحكم في الصين على الحوكمة الشاملة في ادارة الحزب والدولة والتعامل مع السياسة الخارجية وتوجيه آفاق التنمية ورسم السياسات الداخلية بشكل عام. وفلسفة الحوكمة والتنمية لا تتحقق سوى بالالتفاف حول الشعب، وكون الشعب أولاً. وفي هذه النقطة تختلف التنمية المستدامة التي يضعها الحزب بالحسبان ويعمل بموجبه كون الانسان أثمن رأسمال عن مفهوم النمو الاقتصادي الذي يضيف الأموال الى رصيد الاوليكارشيات الحاكمة في الدول الراسمالية.
تتجلى التنمية المتمحورة حول الشعب في الآليات المتبعة في ممارسة الديمقراطية الشعبية والاستماع الى رأس الشعب، وربط مشاريع التنمية بالحاجات الاساسية للشعب.
لقد خطت عصر النهضة في الصين خطوات كبيرة الى الامام وأكملت المرحلة التمهيدية لتدخل مرحلة التحديث الصيني النمط، الذي وطًد من وحدة الشعب الصيني ومصيره المشترك والذي يجد منبعه الأساسي من الحضارة الصينية، وربط الاصالة والحكمة الصينية بالواقع والحاضر، واغناء الحكمة عبر تراكم الممارسات من جهة، والاعلان عن المبادرات الاساسية التي تاتي ضمن مفهوم مصير المشترك للبشرية في العصر الراهن. وتتجلى هذه المبادرات بمباردة الأمن المشترك والتنمية المشتركة ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية ونستنتج من آفاق السياسة الصينية اعلان مبادرة جديدة تتعلق بالحوكمة الايكولوجية.



















